الشيخ عبد الغني النابلسي

237

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

الحق تعالى مقدرا مقتضيا به على مقتضى الإرادة الإلهية فتوجه الحق تعالى به عليهم فأظهره في نفوسهم فهو في نفسه تعالى يسمى غضبا وفي نفوسهم يسمى ألما وأوجاعا إن فهمت ، يا أيها السالك فما زالت الآلام من نفوسهم الا وقد تحوّل التوجه الإلهي بالغضب الذي في نفسه عنهم وتوجه عليهم بما يقابل ذلك ولا يقابله إلا الرضى فظهرت في نفوسهم اللذة بالعذاب فانقلب عذوبة وقد بين ذلك بقوله : فمن غضب على أحد فقد تأذى في نفسه ، أي وصل إليه الأذى ممن غضب عليه . وقد ورد في الكتاب والسنة وصف اللّه تعالى بالتأذي من خلقه ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ( 57 ) [ الأحزاب : 57 ] ، وفي الحديث قال عليه السلام : « لا أحد أصبر على أذى سمعه من اللّه عز وجل ، إنه ليشرك باللّه ويجعل له الولد ، ثم يعافيهم ويرزقهم » ، أخرجه البخاري « 1 » ومسلم « 2 » بإسنادهما إلى أبي موسى ، فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه ، أي انتقامه منه بإيلامه له إلا ليجد الغاضب في نفسه الراحة ، أي الفراغ من حمل ألم الغضب الذي يسمى غضبا في نفسه ، ويسمى آلاما في نفس المغضوب عليه ، وقد وصف اللّه تعالى نفسه بالفراغ في قوله سبحانه : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) [ الرحمن : 31 ] ، أي نضع في نفوسكم يوم القيامة ما هو في نفسنا اليوم لكم من حمل ألم الغضب على قوم مما يسمى غضبا فينا ويسمى آلاما فيكم ، وحمل لذة الرضى كذلك بذلك ( ) - السعي في الانتقام وإن كان اللّه تعالى منزها عن صورة ما يفهمه الغافل القاصر من ذلك الذي وصف اللّه تعالى به نفسه من غضب غيره . فينتقل الألم الذي كان عنده ، أي في نفس الغاضب حيث يسمى غاضبا بسبب وجوده في نفسه المتوجه به على المغضوب عليه ليفرغ منه ويصيغه فيه ما سمي غاضبا عليه إلى ذلك المغضوب عليه من الناس والحق تعالى إذا أفردته ، أي اعتبرته متميزا عن العالم جميعه غير متعلقة صفاته وأسماؤه بشيء أصلا يتعالى ، أي يرتفع ويتقدس ويتنزه علوا كبيرا عن هذه الصفة التي هي وجود الراحة في نفسه بالانتقام من المغضوب عليه والتشفي منه على هذا الحد المفهوم بحسب ما يجده المخلوق في نفسه إذا غضب على غيره . * * *

--> ( 1 ) باب الصبر على الأذى . . ، حديث رقم ( 5748 ) [ 5 / 2262 ] وباب قول اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) [ الذّاريات : 58 ] ، حديث رقم ( 6943 ) . ( 2 ) باب لا أحد أصبر على أذى من اللّه عز وجل ، حديث رقم ( 2804 ) [ 2160 ] .